محمد محمد أبو موسى
441
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
كالمحسوس المشاهد . ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا » « 37 » . ويلتفت إلى فواصل الآيات التي تشير إلى آثار قدرة اللّه في هذا الكون . ويبين في ذكاء كيف تكون الفاصلة مشيرة إشارة واعية إلى مدى دلالة هذه الآثار . فتسلسل الانسانية من نفس واحدة أدق صنعة وألطف تدبيرا من تسخير النجوم للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر . لذلك كانت فاصلة آية النجوم ب « يَعْلَمُونَ » وفاصلة آية النشأة ب « يَفْقَهُونَ » والفقه أدق من العلم . يقول في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ » « 38 » : « فان قلت : لم قيل « يَعْلَمُونَ » مع ذكر النجوم و « يَفْقَهُونَ » مع ذكر انشاء بني آدم ؟ قلت : كان انشاء الانس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له » « 39 » . ويقول في قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » « 40 » : وقال : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » فجمع الآية وذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة لكبرياء العظمة » « 41 » . وقد تكون الفاصلة غير مطابقة لسياق الآيات مطابقة تامة في الظاهر فيكشف الزمخشري هذه الملاءمة .
--> ( 37 ) الكشاف ج 1 ص 49 . ( 38 ) الأنعام : 97 ، 98 ( 39 ) الكشاف ج 2 ص 39 . ( 40 ) النحل : 10 - 12 ( 41 ) الكشاف ج 2 ص 465 .